المهندس أمين جول اسكندر

سيرته الذاتيّة

أمين جول اسكندر مهندس وبحّاثة، حائز عل شهادات الهندسة من جامعات الولايات المتّحدة الأميركية وفرنسا، وعلى الشهادات العليا في الفن المقدّس من جامعة الروح القدس الكسليك.

علّم ولا يزال يعلّم في جامعات عدّة (الروح القدس الكسليك، معهد ألبا بيروت والبلمند، جامعة مار يوسف، الجامعة اللبنانية، جامعة سيّدة اللويزة. كما يعلّم اللّغة السريانيّة مع جمعيّة أصدقاء اللغة السريانيّة في البوشريّة. له إصدارات عدّة قيّمة كان آخرها الجزء الأوّل من L’épigraphie syriaque au Liban. ومقالات ومحاضرات عديدة. حاز على جائزة الرابطة السريانيّة (٢٠٠٢) كما منحته جمعية الصحافة اللبنانيّة جائزة الأستاذ سعيد عقل (٢٠٠٢).



مار أفرام والهويّة السريانيّة

ولد مار أفرام في نصيبين عام 306، وقد تنازع على هذه المدينة البيزنطيّون والفرس لعقود. ومن خلال كتاباته، كان مار أفرام يدافع عن أرضه وعن شعبه مدركًا إنتمائه لجماعة معيّنة ولثقافة محدّدة. أجبر مار أفرام، على غرار السريان كافّة، على ترك أرضه نصيبين، فاستقرّ في الرها (Edessa) حيث أصبح مدير مدرستها الشهيرة. عام 363 سقطت نصيبين في أيدي الفرس، فراح القديس يكتب عن مدينته محتجًّا على احتلالها هذا.
وفي الرها أيضًا، كان على مار أفرام مواجهة إنتشار الثقافة الهلينيّة وسيطرة اللغة اليونانيّة داخل العالم المسيحي ذو الثقافة الساميّة. وقد فرض من خلال كتابة قصائده التي لا يحصى عددها، أدبًا مسيحيًّا آراميًّا سوف تتبنّاه لاحقًا سائر التقاليد المسيحيّة شرقًا وغربًا.
على الرغم من أن هذا القديس العظيم قد صار رمز الأدب السريانيّ، هو الذي قيل فيه "نبيّ السريان" و "قيثارة الروح القدس"، فإنّ مغزى نصوصه لم تمتّ بصلة لا بالقوميّة ولا بالهويّة السريانيّة. ولكن دفاعه عن نصيبين ضدّ الفرس يبقى استثناءً وبين مئات، لا بل الآف قصائده عن الحب والإيمان وحياة البتوليّة. يجدر التنويه إلى أن كتاباته حول نصيبين كانت دفاعًا عن المسيحيّين ضد الوثنيّين، لا عن السريان ضدّ الفرس.
قصائد مار أفرام بأسرها هي حول المحبّة، الميلاد، البتوليّة، مريم، يوسف، الإيمان والله. جوهر فكره هو التخلّي عن كل شيء في سبيل الله، أي التخلّي حتى عن الذات من أجل حبّ الله ونعمته. وفي هذا تظهر ميزة أفرام السريانيّة بعمقها، وتلخّص كتاباته واقع حال السريان وثقافة حياة كنيستهم، إلى جانب حالة بذل الذات والإتّضاع الكليّ.
يبدو أن الرغبة بالإقتداء بحياة شبيهة بحياة المخلّص، والإقتراب منه من خلال الأعمال والإيمان، قد سيطرت على طريقة حياة الكنائس السريانيّة منذ بداية تأسيسها.
وهذا يشرح تصميمهم على الإختلاط بالمجتمع الغربيّ كما اختلطوا بالمجتمع الشرقي حتى في الرها، مسقط رأس اللغة السريانيّة، تبنّى قسم من السريان اللغة الأرمنيّة.
دعونا نقول أن بالإجمال، وعلى عكس جيرانهم الأرمن، فإنّ السريان نادرًا ما يتمسّكون بالمحافظة على تمايزهم من حيث اللغة.
وعلى الرغم من إختلاطهم الكامل بالمجتمع الغربي، فإنّنا نلاحظ منذ ذلك التاريخ نزعة متنامية في الشرق نحو قبول منهجيّ للّغة السائدة في المجتمعات التي نمى السريان فيها.
ففي المناطق التي سيطر عليها الأكراد والأتراك، تبنى السريان لغة هؤلاء الشعوب. وفي الجنوب، صار السريان يتكلّمون العربيّة، كما كان الحال في ماردين حيث بدأت العربيّة تضعف اليوم إزاء اللغة التركيّة التي جاءت تحلّ مكان الأولى.
وفي لبنان، تبنّى السريان الموارنة اللغة العربيّة في حياتهم اليوميّة وأدخلوها حتى في ليتورجياتهم. والرهاويّون الذي يقطنون لبنان اليوم، قد استمرّوا في استعمال اللغة الأرمنيّة حتى اليوم، إلاّ أنّهم يستعملون السريانيّة في ليتورجيتهم فقط.
مع أبجر الثامن ملك الرها من 179 ولغاية 212، والذي ارتدّ إلى الدين المسيحي عام 206، وُلِدَت الأمّة المسيحيّة الأولى التي أسّسها السريان في الرها، ثم ضعفت وأعطت مكانها لأرمينيا (التي أُعلنت أمّة مسيحيّة عام 301-314)، وتلتها الأمبراطوريّة الرومانيّة فأثيوبيا (حوالي 325-330).
أرمينيا، أثيوبيا وسائر الممالك المسيحيّة التي تلتها قد شهدت كلها على أزمنة ألم وأزمنة مجد على مرّ تاريخها، وحدهم السريان اكتفوا بأن يكونوا كنيسة وأن يُعرَفوا بانتمائهم لهذه الكنيسة لا لأمّة أو حتى للغة معيّنة.
حين يتكلم مار أفرام عن "النقيّ القلب"، فهو يتكلم حقًّا عن الخير في الإنسانيّة، لهذا يشير إلى إنجيل القديس متّى(8،5): "طوبى لأنقياء القلوب، فإنّهم يعاينون الله".
هذا القول لا يمُتّ بصلة بما كتبه العالم السرياني الماروني جبرائيل ابن القلاعي في القرن الخامس عشر. حين يتكلم إبن القلاعي عن "أنقياء القلوب"، يقصد السريان، الكاثوليك، الموارنة الساكنين في جبال لبنان المقدّسة، وهكذا يُظهر منذ القرن الخامس عشر نزعة وطنيّة سريانيّة مارونيّة، والتي هي جزء من هويّة سريانيّة أشمل. ولكن لا يبدو أنّ معلّمه الأكبر، مار أفرام، قد رأى الأمور بهذا المنظار في القسم الأكبر من مؤلفاته.
فبعد أن يأتي على ذِكر هذه الآية من إنجيل القديس متّى، في تفسيره للدياتسرون، يكمل شارحًا أن على الإنسان أن ينظر من خلال عين روحه أو من خلال عين قلبه، لا من خلال رؤيته الحسّية. وهنا يدخلنا القديس في بُعد روحي بعيدًا عن كل أنواع الإهتمامات الأرضيّة.
بالنسبة لمار أفرام، فإنّ مرآة الإنجيل تسمح لنا برؤية ذاتنا على حقيقتها، ولذلك فالهدف الرئيسيّ من الحياة هو تنقية القلب ليتمكن من أن يعكس الجمال الأوّل، أي صورة (salmo) الله التي خلق الإنسان عليها.
هذه الروحانيّة كلّها، بالإضافة إلى روحانيّة التجرّد، والتشابيه البسيطة التي يعطيها في شرحه (من مرآة إلى سائر الأدواة التي نستعملها يوميًّا) هي ميزة سريانيّة تختلف عن التقليدين اليوناني واللاتيني. ولقد استعمل يوحنّا الدالياتي، وعدد من الكتّاب السريان، صورة المرآة هذه ليقودونا داخل أبحاثهم الروحيّة.
إن البحث في أوصاف الله يسيطر على أعمال أفرام الأدبيّة ليجعل منها مثالاً يجب على الإنسان الإقتداء به. كل حياة المسيحييّن يجب أن تكون جهادًا مستمرًّا لاقتراب أكثر من صورة الله.
وبهذا الصدد يكتب أفرام:
"لقد ألبس نفسه صورة الإنسان لكيما يجلب الإنسان إلى صورته هو، أيّها السيّد، لقد انحنيت، وارتديت صورة الإنسان لكيما تقدر الإنسانيّة على الإرتفاع من خلال اتّضاعك. أيّها السيّد، لقد انحدرت ولبست صورة الإنسان، ليعظم الإنسان بفضل اتّضاعك. كم هي مذهلة هذه الوفرة: أن يهرق السيّد ذاته دوما في داخلنا دائما، لأنّه ترك سماءه وانحدر، فلنجعل مخدع العروس في قلبنا نقيًا من أجله".
احترامًا لهذه القيم الروحيّة كلّها، يجد الكنيسة السريانيّة والشعب السرياني أنفسهم ميّالين دومًا نحو العيشة النسكيّة ونحو الحالة الرهبانيّة، وهذا الشعور بالإنفصال عن العالم لا يشجّع شعور الإنتماء الوطني. ولا بد من الإشارة إلى الإختلاف الجوهري بين التقليد الرهبانيّ الأنطاكي السرياني وبين التقليد الأنطوني الذي يجد جذوره في صعيد مصر.
يفهم أفراهات والقديس أفرام الحياة الرهبانيّة كحالة تبتّل وعدم ارتباط بإمرأة، أمّا بالنسبة لمار أنطونيوس ومار باخوميوس، فهي تعني الإنفصال عن العالم.
يقول الأب جورج رحمة : "تجد الحياة الرهبانيّة في صعيد مصر نفسها كحالة إختلاء بعيدًا عن العالم، في الصحراء، ولذلك يستعملون حواجزًا خارجيّة ليجعلوا عزلتهم كاملة. أمّا في شمال ما بين النهرين وفينيقيا وجبل لبنان، فقد تطوّرت الحالة الرهبانيّة في قلب المجتمع، وقد جعلت لنفسها ضوابطًا داخليّة، فالعزلة هي داخليّة فقط."
هذا الإختلاف بين التقليدين الأنطاكي والأنطونيّ هو أساسيّ في بحثنا حول الهويّة السريانيّة. في الواقع، إن القديس أفرام لم ينفصل يومًا عن شعبه. وفي ما كتبه حول فولوجس الأسقف، يصرّ على إظهار أنّ الحياة الرهبانيّة لا تتعارض مع العمل الرسولي والراعوي. يفترض بالراهب السرياني أن يخدم شعبه ويقوده من خلال عيشه بينهم ومعهم. يؤثر على شعبه، هو معلّم لا حبيس: هو يعلّم ويشارك في خلق المجتمع وفي تأسيسه. قيمه، تطلّعاته، ثقافته وهويّته تنمي خاصة ذاك المجتمع.
لم يفكر مار أفرام يومًا بأمّة سريانيّة أو حضارة سريانيّة، هدفه كان ملكوت الله، ملكوت السماوات، ملكوت يسوع المسيح الذي مملكته ليست من هذا العالم. وبالرغم من هذا كلّه، فهذه القيم عينها التي نشرها في أنحاء مجتمعه السريانيّ أصبحت ميزة هذا المجتمع. وهكذا، فإنّ مار أفرام، الهادف إلى ملكوت الله، صار مساهمًا بعمق في تكوين هويّتنا السريانيّة.
نجد من الضروري التنويه هنا أن فكرة الهويّة، أو حتى الأمّة، لا تتعارض بأي شكل من الأشكال مع الروحانيّة المسيحيّة أو مع ملكوت السماوات. فالحريّة هي فكرة محوريّة في المسيحيّة وفي قيم المسيحيّة. الامّة هي كالشخص البشري، لها الحاجات عينها، ولها شخصيّتها المميّزة، لهذا يتكلّم الفيلسوف الفرنسي Philippe Sers على الأمّة، قائلاً: "يجب أن نشير إلى أن فكرة الأمّة هي مهمّة بالنسبة للفكر المسيحي. كل أمّة لها دعوتها الشخصيّة الخاصة، وكل أمّة ترتبط بشخص يتمّ رسالتها. إنّ فكرة الأمّة – الشخص لا تبني على أسس مشروع مادّي، إنّما على مشروع روحيّ.
إنّ الروحانيّة تأتي في صميم تكوين الأمّة والوطنيّة والهويّة. وبهذا صار مار أفرام رمزًا لكل السريان، هو قدّيس ومعلّم لهم جميعًا. تقرأه وتغنّيه الكنائس السريانيّة لأنّه يتخطّى كل الثقافات اللاهوتيّة ويركّز الإهتمام على يسوع المخلّص، الفادي، الملك، الكاهن الأزليّ، ابن الله الوحيد، المتجسّد من خلال العذراء الدائمة بتوليّتها. هو ثقافة السريان أجمعين وبالتالي فهو يحدّد الميزة الأساس من هويّتهم. هو يجمعهم متخطّيًا كل حواجز وكل الإنقسامات بين الكنائس. لهذا السبب دعاه ابن العبري (1286+) "شمس السريان" وأي وصف للمعلّم العظيم مار أفرام أجمل من روعة القصيدة التي ألّفها يعقوب السروجيّ، يُظهر من خلالها العلاقة الوطيدة بين مار أفرام والهويّة السريانيّة، كتبها بعد مئة عام من موت المعلّم:
"لقد غدى إكليلاً للأمّة الآراميّة بأسرها، بواسطته اقتربت من الفضائل الروحيّة، ذاك الذي أضحى واعظًا عظيمًا بين السريان، وكلّ معلّم جاء بعده منه استفاد، ينبوعًا حلوًا من مياه مباركة أفاض في أرضنا، وبه تمّت غاية الإيمان العظيمة، خمرًا جديدة استمدّت لونها وطعمها من الجلجلة، وأروى بمائه الرجال والنساء لكي يسبّحوا".


أمين – جول اسكندر محاضرة القيت في جامعة ستوكهولم- السويد في 3 كانون الأول 2006 لمراجعة النًّص الأنكليزي وللإطلاع على المراجع: http://www.facebook.com/note.php?note_id=382903997089


   

Lexamoris.com
شريعة المحبّة
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م.، 2010