الأب وليد موسى

سيرته الذاتيّة

كاهن راهب من الرهبانيّة المارونيّة المريميّة، درس الفلسفة واللاهوت في جامعة مار يوحنا اللاتران- روما. أكمل دراساته العليا في جامعة مار توما الأكويني- الأنجليكوم في روما متخصّصاً في اللاهوت المسكوني. ثم انتقل الى الولايات المتّحدة حيث حاز على شهادة عليا في إدارة الأعمال، وفي عام ١٩٩٣ حصل على شهادة الدكتوراه في اللاهوت المسكونيّ من جامعة الأنجليكوم روما، وكان عنوان أطروحته: دور الكنيسة المارونيّة في السعي الى وحدة الكنيسة. شغل عدّة مناصب في الرهبانيّة المارونيّة المريميّة، يشغل حاليّاً منصب رئيس جامعة سيّدة اللويزة، له عدّة منشورات، مقالات ومحاضرات في لبنان والخارج.



مجازر السريان: هل انتهت؟

خمسة وتسعون سنة تمرّ، قرن كامل تقريباً ينتهي، ونحن نتذكّر. الذكريات من الجدّ إلى الأب والأم، إلى الأحفاد. والمأساة تتحدّى الزمان والنسيان وتولّد الأوجاع والهواجس... ولكن، لا بدّ من وقفة، بعيداً عن العواطف والانفعالات، لطرح الأسئلة، ولإحكام العقل، لعلّنا، بالمنطق، وبالعلم، ننتصر على المخاوف. ومرّة جديدة نقول، كما قلنا في 13 نيسان: تنذكر وما تنعاد.
تعوّدنا في مثل هذا التاريخ أن نتذكّر مجازر اخوتنا الأرمن. الشعب الأبي الأصيل الذي لا تزال مأساته تستوطن الضمائر والقلوب.
وها نحن اليوم، نتذكّر مجازر السريان، ولا فرق، فإن اختلف السريان عن الأرمن ببعض التقاليد والطقوس واللهجات، فقد وحّدت بينهم الفاجعة، فإذا بهم، معاً، أبناء منطقة واحدة، يعانون مأساة الذبح والإبادة والتهجير... فيما عين العالم وضميره في عطلة وغياب.
وهنا لا بدّ من طرح سؤال يقلقني: هل كان القرن العشرون، كما ندّعي، قرن الحضارة والعلم والحريّة والتكنولوجيا؟ أم هو قرن العنف والموت والحروب والإبادة؟ وماذا ينتظرنا في القرن الواحد والعشرين، والمأساة تستمرّ وتتكرّر: في العراق، في فلسطين، وفي السودان، وفي أقطار كثيرة من هذا العالم.
أذكر لكم بعض الأرقام عن مجازر القرن العشرين:
الإبادة السريانية والأرمنية 1,800،000، الإبادة الصينية 30 مليون، كمبوديا 1978 3 ملايين، الجزائر مليون، فلسطين مجزرة مستمرّة، العراق مليون ونصف، دارفور 300 ألف، الكونغو 5 ملايين. ولا أذكر نتائج الحربين العالميتين 1914، 1939 وما سببتا من ملايين الضحايا.
ثمّ لبنان: الذي سببت له الحرب، بـ 200 ألف قتيل تقريباً، و300 ألف معاق، ومليون مهجّر ومهاجر.
وهنا تتعدّد الأسئلة: هل الأديان طريق إلى السلام أم إلى الحرب؟ هل العلم طريق إلى سيطرة العقل أم سيطرة الغرائز؟ حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحريّة... هل هي كلمات جوفاء وشعارات فارغة؟ هل صحيح أن الهويّات تولّد العنف، وأنّها قاتلة كما يقول أمين معلوف؟ هل صحيح أنّ المليارات التي أنفقت على الحروب وعلى قتل البشر، كانت كافية لإطعام جميع أطفال العالم وتدريسهم وإسكانهم؟
فكّروا معي بـ 6000 مليار دولار أنفقت على حرب العراق؟ جل، الأسئلة مقلقة وصعبة، ولكن لا بدّ من طرحها، ولو أوجعت وأزعجت، وهنا لا بدّ من التوجّه بالحديث إلى إخوتي السريان، لأقول:
سيفو، في الأصل هي سيف في أيدي الأحرار، ولكنها تحوّلت سنة 1915 الى خنجر في أيدي الجهلة والعميان وأصوليي التفكير. ولا نزال نعاني فجور هذا الخنجر، مهما كانت جنسيّته أو اليد التي تحمله.
مأساتكم، هي مأساتنا، نحن في لبنان، ووجعنا كوجعكم. ومذابح الأرواح أوجع من مذابح الأجساد. لقد صهرتنا الأحداث الى حدّ التوحّد، ولكنّنا، معاً، سنبقى، ونعمل بإيمان ووعي، لإحقاق الحقّ وتأمين الحريّة والسيادة.
الإعتماد هو على النفس وليس على ما يسمّى "الضمير العالمي" الذي يحيا في سبات وغفوة وخدر: لقد أسكرته خمرة المال والمصلحة. فلن يستيقظ على صراخ الأبرياء. وتعالوا نردّد معاً قول جبران:
قتلُ امرىءٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتَفر وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر
المشكلة مع السريان ليست مشكلة دينية – وإن صوّرها البعض كذلك - بل هي مشكلة سياسية إنسانية بامتياز:

لنبحث عن الأسباب الحقيقية، التي، ربما لا تزال هي هي، التي تتلاعب بمصير المسيحيين في فلسطين والعراق ومصر، وطبعاً في لبنان. أليس تهجير المسيحيين هدفاً لمن يحاول، تحت كلّ شعار، أن يجعل من هذه المنطقة، أوطاناً طائفية دينية وعرقيّة؟ لن يغفر لنا أحد تجاهلنا لهذه الأسباب، لنحذَر ما يدبّره لنا الآخرون، ولنتعمّق أكثر في دراسة وتحليل الأوضاع السائدة، اليوم في هذه المنطقة، وإلاّ... لن ينفع الندم.



كلمة رئيس جامعة سيّدة اللويزة الأب وليد موسى في الاحتفال بمناسبة سيفو "ذكرى المجازر السريانية" كنيسة مار افرام - الأشرفية 24/4/2010


   

Lexamoris.com
شريعة المحبّة
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م.، 2010