وضع المسيحيين في العراق
                                                                                          (بقلم الأخ رائد فاضل خضر - إخوة يسوع الفادي)

إن عيشنا العراقي المُشترك، خاصة "المسيحيين والمسلمين " ، والذي يمتد إلى قرون طويلة يشكّل، بالرغم من كلّ الصعوبات، الأرضيّة الصلبة التي نبني عليها عملنا المشترك حاضرًا ومُستقبلاً . في سبيل مجتمعٍ متساوٍ ومتكافىءٍ لا يشعر فيه أحد، أيّاً كان، أنّه غريب أو منبوذ . إننا ننهل من تراث حضاري واحد نتقاسمه، وقد أسهم المسيحيين والمسلمين في صياغته انطلاقًا من عبقريّته الخاصّة . إن قرابتنا الحضاريّة هي إرثنا التاريخي الذي نصرّ على المحافظة عليه وتطويره وتجذيره وتفعليه كي يكون أساس عيشنا .

إنّ المسيحيين في العراق هم جزءُ لا ينفصل عن الهويّة الحضاريّة للعراقيين، كما أنّ المسلمين في العراق هم جزءُ لا ينفصل عن الهوية الحضارية له . ومن هذا المنطلق المسيحيون مسؤولون بعضنا عن بعض أمام الله والتاريخ، وعلينا أن نبحث بشكل مستمرّ عن صيغة، لا للتعايش فحسب، بل للتواصل الخلاقّ والمثمر الذي يضمن الاستقرار والأمان لكل مؤمن بالله في عراقنا، بعيدًا عن آلية الحقد والتعصُّب والفئوية ورفض الآخر . إن قيمنا الروحيّة والدينيّة الأصيلة تساعدنا على تخطّي المشكلات التي تواجهنا في مسيرة عيشنا المشترك . ويفرض علينا هذا أن ينظر بعضنا الى بعض بروح الانفتاح والتعرّف المتبادل الحقيقي، لأنّ الإنسان عدّو ما يجهل .

الوضع العراقي اليوم تمزّقه آفات الفرقة والتعصُّب والتمييز والطائفيّة على اختلاف أنواعها . وعلينا العمل على إرساء قواعد عيش واحترام وقبول الآخر تكون نموذجًا لعالمنا، بدل أن نشوّه قصد الله فينا فنكون صورة عكسّية لما يصبو إليه إنسان اليوم من السلام والوئام والتعاون على أساس المواطنة الحقيقة والصادقة .



ولقد أرادنا الله معًا المسيحيين والمسلمين وغيرهم من الأديان ألأخرى في هذه المنطقة من العالم؛ وإنّنا نقبل هذه الإرادة برحابة صدر ونرجو أن تعمل هذه الإرادة على توسيع قلوبنا بحيث تتسّع للجميع مهما كانت انتماءاتهم المختلفة . وواقع المسيحيين هو واقع ودور حضور أي حضورنا في وسط المجتمع العراقي الذي نعيش فيه هو علامة لحضور الله في عالمنا، مّما يدعونا الى أن نكون مع وفي ومن أجل، لا ضدّ أو خارج أو على هامش المجتمع الذي نعيش فيه . رغم الإضطهادات والتهجير والقتل . وهذا مَطلب أساسي من متطلّبات إيماننا ودعوتنا ورسالتنا . ويقف هذا الحضور بين حالات الانعزال والهجرة والذوبان، وكلاهما شرّ قاتل . فالانعزال يُلغي رسالتنا، والهجرة تدمِّر دعوتنا وانتمائنا، والذوبان يقضي على هُوّيتنا . أما الحضور الحقيقي الأصيل فهو ضمان لهذه وتلك، إذ يعمِّق أمانتنا لله ولنفسنا وللمجتمع الذي أراده الله مكانًا لمسيرتنا الأرضية . ومن حضورنا المسيحي تنطلق شهادتنا ورسالتنا، والكنيسة تكون كنيسة المسيح حقًا بقدر ما تكون علامة لمحبّة الله الآب الخلاصيّة للبشر بنعمة السيد المسيح وبقوة الروح القدس .

يمتاز العراق بالتعدّدية في مختلف أشكالها الدينيّة والعرقيّة والثقافيّة والكنسيّة، ممّا يجعلنا أن يكون حوارنا دعوتنا الأساسية والتحدّي الأكبر لنا جميعًا . وكنائسنا هي أيضًا تكتشف في هذا الإطار دعوتها وهي دعوة إلى الحوار قبل كل شيء، فتكون علامة حيّة لوحدة الأسرة البشريّة في عالم تمزقه الانقسامات، وأن يكون لنا دور إيجابيّ في حلّ مشكلات الإنسان، بدل أن تكون مصدر تناحر واقتتال بين أبناء الأسرة الواحدة والوطن الواحد .



Lexamoris.com
شريعة المحبّة
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م.، 2010